الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

361

نفحات الولاية

أمّا قوله عليه السلام : « من أبدى صفحته للحق هلك » فقد فسره بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ من أبدى صفحته لنصرة الحق غلبه أهل الجهل ، لأنّهم العامة ، وفيهم الكثرة ، فهلك . فهذا الكلام وان كان واقعياً إلّاأنّه لا يمكن أن يكون تفسيراً للعبارة المذكورة وذلك لأنّه لا ينسجم والعبارات السابقة بشأن أدعياء الباطل ، كما لا يتفق والعبارة اللاحقة بشأن الأفراد الجهال الذين لا يعرفون قدر أنفسهم . وأخيراً يختتم الإمام عليه السلام هذه العبارات يعرض بالنصح والموعظة التي من شأنها تخليصهم من مخالب المنافقين وأدعياء الباطل ، فقد دعاهم في البداية إلى التحلي بالورع والتقوى التي تعدّ الركن الركين لكل حركة وعمل صالح ، فقال عليه السلام : « لا يهلك على التقوى سنخ « 1 » أصل ، ولا يظمأ عليها زرع قوم » فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام قد شبه - بهذه العبارة العميقة المعنى - التقوى بالأرض الخصبة ذات المناخ المناسب التي لا تجف فيها جذور الأشجار ولا يموت فيها الزرع من قلة الماء ؛ أرض خصبة صالحة للزراعة ذات أنهار وآبار تمد الزرع بما يحتاج ، ففي الحقيقة أنّ كافة الأعمال كالبذور والحبوب التي ينبغي أن تنثر في أرض خصبة وتسقى بالمياه ؛ وليست هذه الأرض والمياه سوى التقوى ، ثم قال في الموعظة الثانية : « فاستتروا في بيوتكم » فالإمام عليه السلام وبنظرته الثاقبة يعلم بأنّ حكومته ستضيق الخناق على أولئك الذين عملوا إبان عهد عثمان على سلب ونهب بيت مال المسلمين ونشروا الظلم في ربوع المجتمع الإسلامي ، وعليه فهم سوف لن يسكتوا وسيسعون إلى تأليب الناس واستقطاب الجهال ، وهذا هو الوقت الذي يتطلب من الإنسان أن يلزم بيته لا حين العمل والجهاد . وعلى حد قول بعض شرّاح نهج البلاغة فان أفضل حركة في المجتمع الذي يضره العدل والحق هي السكون والصمت والسكوت . والموعظة الثالثة بشأن الأخاء والوحدة بين صفوف أتباع الحق ونبذ كافة مظاهر الفرقة والشقاق بهدف ملاحقة الباطل والقضاء عليه ، فقد قال عليه السلام : « وأصلحوا ذات بينكم » . وأخيراً

--> ( 1 ) « سنخ » بمعنى الأصل والجذر ، وكذلك محل غرس الشجر ، وهو المكان الذي تَثبت فيه جذور وأصل الشجرة . ويستعمل هذا اللفظ أحيانا بمعنى الرسوخ في شيء ، وكل هذه المعاني مقاربة لبعضها ، وفي العبارة أعلاه تشير إلى جذور العلوم والمعارف والأعمال الصالحة والتي رسخت في أرضية التقوي والتي لا يمكن أن تُجتّثَ جذورها .